وهبة الزحيلي
60
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
مستحق للحمد والشكر على جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره ونعمه . ومن الحمد اللائق بجلاله : إنفاق الطيب مما أنعم به . فقه الحياة أو الأحكام : موضوع الآية : وجوب اختيار الطيب الجيد من مكاسب الأموال عند إنفاقها في سبيل اللّه ، سواء أكانت من الزكوات الواجبة أم من الصدقات المندوبة ؛ لأن القصد هو التقرب إلى اللّه تعالى ، وادخار الثواب على فعل الخير ، وذلك لا يتحقق إلا بجياد الأموال وأطيبها . والآية خطاب لجميع أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » ، واختلف العلماء في المعنى المراد بالإنفاق هنا ، فقال علي بن أبي طالب وعبيدة السّلمانيّ وابن سيرين : هي الزكاة المفروضة ، نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد . وقال البراء بن عازب والحسن البصري وقتادة : إن الآية في التطوع ، ندبوا إلى ألا يتطوعوا إلا بمختار جيد . والظاهر أن الآية عامة تشمل الزكاة والصدقة ، لكن الزكاة الأمر فيها على الوجوب ، ومخصوصة بالقدر المفروض ، وأما التطوع فالأمر فيه على الندب ، وليس مخصوصا بقدر معين ، فيجوز بالقليل وبالكثير ، لكن يختار الجيد ، وليس القصد هو الممتاز ، فهو الأولى ، ولكن الحد الأدنى المطلوب هو الوسط ، كما قرر الفقهاء في الزكاة . ودلت الآية على أن للوالد أن يأكل من كسب ولده ؛ لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أولادكم من طيّب أكسابكم ، فكلوا من أموال أولادكم هنيئا » « 2 » . واستدل أبو حنيفة رضي اللّه عنه بقوله تعالى : وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
--> ( 1 ) البحر المحيط : 2 / 316 ( 2 ) رواه البزاز بلفظ : « أولادكم من هبة الله لكم ، فكلوا من كسبهم » .